الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

أم الحمام قالت لا تخرجوا


 أ              أم الحمام قالت لا تخرجوا*
                                                   رابح التيجاني

                                   -1-
   وعندما تريد النملة عذابها تستعير أجنحة / نسرية المنقار تفتض غشاوة ليل مصنوع بين أربعة حيطان / تفتح دولاب الجوارب المستوردة ، تنتقي الحلو والأحلى المناسب والأنسب / أنيقة تعبر المحطات تطلب حق النزول حتى بالمزابل تواضعا وانفتاحا.
   قال اليهود : خسارة أن تكون عيون المسلمين سود ، قال اليهود ../وبالملاح كنت أجري طفلا دوليا بريئا أسرق طاقية من فوق رأس وأعيدها للعيون الصلصالية تصيح يا بوليس / نلاعبهم كرة القدم ننتصر بالسيف حفاة ، نعود للقصدير أواخر الليل يهودا نخشى الحبل المشبع ماء ينزل لاسعا ضريبة التأحر.
   تكوم اليهود نفخا في اليهود إلى حد الصهيونية وانتفخنا مسامرة نحكي ألف ليلة وليلة .. حمزة البهلوان ..المغامرات الغراميات الغارات على الأحياء المجاورة / قرأنا سطرا عابرا  عن النازية الفاشية فأشفقنا وجلسنا في آخر المطاف على أعتاب مبنى الأمم نستجدي الإشفاق قبل الحق / كنا عروبات لا عروبة / والعروبة بحيرة ترتمي خلفها أكواخ الطين عاجنة قدود صبايا للكراء / قرية تحرسها الحلفاء القتاد  البترودولار المستنزف الكلمة الطيبة القيم الإنسانية الأخلاقية المكبوتات أحلام اليقظة والمنام / أيتها المومس أغلقي الباب وهات حياة أو موتا تساوي عشرة دراهم .
  وكانت بوابات مدائن العرب القديمة تتعانق كلما جاء العصر والخسر وغارت القبائل / العناق تحطم .. خرجت البيوت في صف قطاري ودخلت عهود السيبة / أصبحت تتاجر تشتري الثورة كما تشتري الثور ، التغيير كما تشتري قطع الغيار ، التقدم كالبطاطس أيام البطاطس بالرطل .. تشتري لا تبيع احتياطا من دوائر الزمن وأعناق العام .
    " أم الحمام مرة قالت لهم لا تحرجوا " .خرجوا . أكلتهم الثعالب / إلتوى عنق العام ثعبانا على عنقي والفنادق ملأى تغوص ثم تطفو تقذف الجثث      إلى الشارع / كان الفرح رأسا للعام وكان الحزن عنقا / رأسا للثامن والسبعين هاربا من رصاصة منذ الخامس والستين لا تزال تجري ولا يزال هاربا / خرجوا / قرأوا . ما قرأوا .. كتبوا . ما كتبوا .. شربوا ..كذبوا / عادوا للدار سكارى من الحانة الغربية أو الحانة الشرقية واعتلى الشخير حلما بالصباح .
-2-
     ماذا تقول الفراشات للنار ؟/ كنت أعتقدك نورا / تقول البلاغة جناسا غير تام / يقول رجال المطافئ حريقا / حفارو القبور الغسالون عملا /الأطفال خبزا وتين ، عسلا وزبدة / المؤرحون واقعة / رجال السياسة مبررا لمؤتمر / الصحافة سبقا فريدا / أحباب الفراشات مأساة حبلى بالإرث وتصدعا في الجبهات الخلفية، حسابا مغلوطا لميزان الربح  والخسارة / ماذا ؟/ انجذاب النور للنار ..الحلم الوهم .. تقول ويقول وأنا ببوابات المدائن القديمة عربيا ربطة عنق أشد بقبضتي عنق العام وأسوي عقدة ربطة عنقه .
    تنقر الطيور المهاجرة المتاهات بلورات المرايا بحثا عن حجم فتنتها .. تأخذ إجازات وطنية . تتغافل عن القدس والصحراء المغربية . إسقاطا تعاطفيا مع كل بحارة السفائن غير المحروقة بالواجهات العربية .. تعود وخط الرجعة مفتوح لسفائن لم تهشمها أضلع طارق الملتهبة عروبة / يهرب من يفكر في الهرب / ولأن طارق جواز لا يجوز، جنسية مغايرة معرضة للفخص التفتيش الكراهية مجانا ، قال لهم" البحر وراءكم والعدو أمامكم" / جنود كانوا يدخلون بلاد العجم وجنود كانوا يرون الدخول خروجا من ديارهم / وجاء عصر الموت مع وقف التنفيذ ، الصلب مضاجعا الصبايا الغارقات في الكحول ، البوب ، الفلامنكو تحطيم العقل إلغاء المكبوتات حتى إشعار يأتي عند الصحو / آه أيها الإنسان العربي يا صديق فورد رفيق ماركس حفيد النبي / والنخلة ورقة في الهجير تساوي سحابة مظلة ليلا شتويا واعدا بالتمر  ، الشمس ، الظل ..مزيدا من الشمس العربية يعني مزيدا من الظل العربي تحت سوالف نخلة لا تزال تملك عقلا ، لا تزال تملك قلبا وامتدادا في الزمن من الأزل إلى الأبد / لكن الفراشات .. ماذا تقول للنار الفراشات ؟؟/ أجيبي يا نار أنت أدرى .. أنت أدرى .
-3-
    إذا رأيت السمك يشكو ضيق التنفس تحت الماء فذاك سقوط في فخ إغراء بقبقات قنينات الأوكسجين / لا يعجبن أحد لو اصطاد سردينة بقنينة هواء لا تشكو ضعف الخياشيم بل داء السل وكل العلل الصدرية / هذا عصر ينظر فيه الجمل سنم الجمل ويضحك استنكارا واستغرابا / عصر تبني هموم الغير وتجاوز هموم الدار / خرجت عقول العرب لتدخل التاريخ لتدخل القلب . لم تطرق الباب . مزقت صمامات الأمان . تولد الإنذار . الخطر . حالات الطوارئ . لماذا خرجت والتجول ممنوع شرعا وعرفا ، عقلا ونقلا في شرايين وأوردة الدم ، مضارب الخارجين عن القبائل ؟؟ / خرجت والبيت ماء وخبز وحصير / تشرب غير الماء هناك تلوك غير الخبز تفترش غير الحصير ، وعندما يخبو شعاع الوهم قد تذرف دمعة واحدة ، تغتسل بها ، تشتري أوساخا لبالوعة الحمام .. ينظر الناس للوسخ المشترى يقولون ولدت نظيفة بلا دم بلا كلام بلا حبل سري / منذ كانت كانت نظيفة . والله ما خرجت . كيف يغتسل الإغتسال تتنظف النظافة / من قال إنها خرجت ؟ .
   هو النمل يتسلق الدرج متسكعا بحثا عن العسل دواء للبطن بالمقصورة والنمل منذ كان أجسام معصوبة البطون معدومتها تعمل طول العمر لا تفكر إلا في البطون ، ومن يفكر في البطن يفكر في دائه ودوائه / ولما كان بلا هم أو كان بهموم صغيرة ولدت له حمارته هموما كبيرة / طار جحا فرحا ، أصبحت عظيما عظم مأساتي ملهاتي ملأت الدنيا شغلت الناس منطقة نفوذ احترابية مصب التهافتات لقيادة الأرض / اختار النمل الأمراض المناسبة .. العلاجات المناسبة .. وقف بصيدليات العصر زبائن يشكو بعضه النحافة بعضه البدانة الأمراض المكتشفة غير المكتشفة .. وكان النمل شيئا آخر غير النمل شيعا تقدمية رجعية حسب أحوال الطقس والمزاج ، تلبس القاموس تسميات مصطلحات تنظيرا ، ترقص على نغمات كمان الصرصار ، تطحن القمح المستورد الكاغد المستورد . تخرج و تدخل / تدخل وتحرج /تخرج ولا تدخل /تدخل ولا تخرج / قيامة قبل القيامة وأم الحمام تهدل باكية فواجع فقدان أفراخ بهرتهم غابات الدنيا وما عادوا حتى ولو عادوا / آه عليك وآه منك يا وطن العرب التالف في الغابات .
-4-

  قطري بن الفجاءة ، حوف من الموت يسير إلى الموت باسم الشجاعة ، تبريرا للخروج / والأشياء منذ كانت تموت وحدها أو مقتولة بالتقسيط / " وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع " سقط المتاع وادعى النبوة .. قتلوه /الطرماح بن حكيم "ليكسب مالا أو يؤول إلى غنى " / عمران بن حطان يوما يمانيا إذا لاقى يمانيا ويوما معديا إذا لاقى عدنانيا / وكان  التعاطف إفرازا عدوانيا فجا بلا مذاق حكم انبهار / ماركوز إنسان بلا أبعاد أو بعد واحد مشدود إلى العصر أو حارج عنه / انحراف .. سلبا كان أو إيجابا / مقدور أن تعيش مشدودا .سيبيريا  فضة أنستهم الذهب و أمريكا قارة اكتشفوها لتعريهم / ماجت البواخر ، رأس الرجاء ، شطئان بوذا ، مشاعية بدائية إقطاعية ،رأس المال ، التوزيع العادل ، غير العادل ، الصراع  ، الطبقات ، الأجيال / وعندما دفن العالم موتاه فتح الشرق الأحضان فتح الغرب الأحضان وكان السقوط العربي بين بين أو على الهامش / امتصاصا طفوليا لرضاعة مهداة من الكبار تمنع البكاء خوفا من الغيلان .. تجعل النوم بعد أربعة عشر قرنا من النوم  و الصحو موتا /خضوعا للجاذبية . الفيتو . انقيادا . رسما للخرائط بالدم والفم / مسخا للقوة المناعة يسكنها دخيل فيروسي جرثومي ، يظل الجسم المشطور ألف شطر المعلول ألف علة يعالجه بالمضادات الحيوية . الإنتفاخ  الإنكماش / يشتكي عضو . لا يتداعى سائر الجسد سهرا وحمى / تشتكي كل الأعضاء يصير الجسد صيدلية ملأى بالعقاقير من كل نوع كل جنسية ممددا على مشارح الحلول أنصاف الحلول / لو يقف هذا الجسد عضوا واحدا يقف .
   يا ابن الفجاءة يا خروج اليد عن الجسم ، هبني سيفك لأقتلك ، ماذا أضفت للتاريخ ؟ حفيد يطلب السيف جائعا عريانا / يا ابن الفجاءة  خرجت أنت وها أنا كما ترى .. حفيدك .. سقط المتاع . ما كنا عربا / من قال كنا عربا وسنبقى عربا ؟ /آه يا قطري ما الخروج ما الدخول... يخونني علم الكلام السياسة التاريخ الإقتصاد الإجتماع الفلسفة ما وراء الفلسفة فأدفن نفسي في الشعر وأحيا  . لا حارجا  ولا داخلا .  واقفا بأبواب الأمل العربي . والله يا قطري لن تنفتح الأبواب إلا للعرب يملكون بطاقات التعريف الوطنية .
                                                                                                                                                      * فلسطينيات /نصوص معتقة
                                                      ( ملخق العلم الثقافي. 21 يناير 1978)



محنة ديك الجن الحمصي


محنة ديك الجن الحمصي
رابح التيجاني

*("أعملت سيفي في مجال وشاحها    ومدامعي تجري على  خديها
 ما كـان قتليـها لأني  لم أكن      أخشى إذا سقط الغبار عليها
 لكن بخلت على الأنــام بحبها      وأنفت من نظر العيون إليها
 فوحق نعليـها  وما وطئ الثرى       شئ أعز علي  من نعليها ")
                                      * ديك الجن

  
    تتزعفر أبعاد الوجه يا ديك الجن ، يسقط اللون ، يا أنت يا أنا، ديك الجن جد  وابن ،تتلف بطاقة التعريف ، فوق الرصيف ،والعنق يساوي ألف درهم ودرهم ،افتضحنا ، افتضحنا يا ديك الجن ، عرفوا الآن عنوان الإنسان المقتات بالغيرة والأحزان ، عرفوا الآن ، فلنهرب أو فلنشرب ،، قد يسألونني عن الحبيبة وأنت ميت تركتني حيا.لماذا تموت وتتركني ؟سأقول لهم أنت القاتل ،، ولأنك تموت مديونا ، ولأني أنت ،وارث شرعا فأنا القاتل، سأقول لهم وعزائي لي وحدي ، وبلغ المداحين البكائين النحابين أن تعازيهم مردودة- نفاق لا يناسب المقام -.

   محضتك النصح يا ديك الجن وما انتصحت ، كيف يحمل المسافر تعريفه في قب الجلباب يطير فجأة لو هبت ريح ،يتمزق لو بكت سحابة ،،،تجاوزنا الدوريات لا نخفي ممنوعا ولا مباحا – طوالا عابرين –فكيف حدث وضبطوك متلبسا بيدك حقيبة فيها حبيبة ؟ والحب جريمة حسب القانون والأعراف ، اختطاف أنثى وسحبها من الحرمان أو التداول العام إلى دائرة التعامل الخاص !!قلب مرسوم بالفحم على الجدار يخترقه سهم أو خنجر ودم يقطر باستمرار – الحب في خطر –أذكياء أطفال الحي ،صحيح إن الحب في خطر ، ولهذا نحتاج للعدل تزكية وتبريرا ، نبصم الأوراق ليرضى الغير على الخطر ،، والعدل عين غمازة وراء النظارة تسرق منى " ورد " التي أعتقتها واشتريت حريتها عبوديتها بالدينار والنار من سوق النخاسة ، أشعة سينية تنفذ إلى داخل الحقيبة تتعامى لو سافرت يدي إلى جيبي وعادت سالمة غانمة ،، تعبر الحقيبة قبلي ، نتبعها يا ديك الجن قلوبا تخترقها السهام .الحب في خطر .

     يقولون يا ديك الجن إن ثروتك حب وشعر ،، كثير عليك هذا والقبيلة ثروتها البغاء بدل الحب ، الخروج عن الشعر بدل الشعر ، ذهبها نحاس فضتها نقرة ،ولأنهم يقولون فقط ، واحد عشق النهدين واحد مات بين فخذين ثالث انتحر شنقا بالسالف رابع لايزال معلقا بالأهداب ،خامس يرسم القبل على شكل رقم ثمانية ذهابا وإيابا طالعا عقبة هابطا منحدرا – ما رأوها  - لمحوا جزءا وحدقنا متأملين يا ديك الجن في الكل ، لهذا اشترينا ورد من يد النخاس مطية لم تركب بكرا لم تثقب وكتبناها قصيدة ،أصبحنا بعد العماء الفقر القهر الهجر أثرياء، احتكارا للرؤيا ، والدنيا بكل اتساعها رؤيا من خلال سم إبرة الخياط تغازل الخيط لا يركبها إلا بعد شرود ، نافذة إغاثة بالحافلة تجري بسرعة المائة وأكثر ،تنطح عند كل منعطف شجرة ،تفر بجلدك عبها قبل أو بعد أو مع الآخرين أو تظل هناك فوق المقعد التحاما بالحديد صورة وخبرا عن حادثة تنشر يوما والسلام ،، سفر داخل الجلباب في المنعطفات لا ينتهي إلا بعد ارتطام وهروب من النافذة أو تسمر بالمقعد لقراءة إعلانات المواليد والوفيات بحثا عن الأسماء واسمك يا ديك الجن واسمي،، الدنيا بكل اتساعها رؤيا بعين مغمضة وعين مفتوحة وقلب راقص فرحة وألما . آه ياورد . هذا أنا أولد حيا فلا تموتي ،،وورد جارية مقتناة من دون سائر الجواري ، قيمة جمالية غير معرضة للتلف ككل القيم ،لازمة بيتها لا ترى عين الشمس عين القمر عين" ميدوزا " ولا عيون "سر من رأى " الحولاء الزائغة تخزر يمينا وشمالا تصيب الزرع والضرع الفتوة والفتنة ،، ورد مسبية تعتكف خرساء في وجداني ممنوع عليها أن تطل من الشباك على الشارع ولو ماتت جوعا ،يفكر بطنها دائما بصيغة المفرد ، والبطن يفكر بالمفرد، الجوع وحده يكون جمعا سالما كلما بقي الجوع ، جمعا غير سالم لو تسقط مائدة ، لا أحد يفكر في أحد والجميع يفكر في الجميع ما دامت الجميع بلا ريش ، لو يجتاز واحد سراط الجوع يشبع يغني والبطن عندما تشبع تقول للرأس غن ،موتي جوعا يا ورد ولا تأكلي بثديك ، ولا تطلي على الشارع حتى ولو بقيت مفردا داخل زنزانة ،، أنت المائدة لو تنزلين ..لا تقولي إن حمص ككل البلاد تستهلك الجياد العتاد الزاد العباد الأعياد الحداد المداد العناد الإنقياد ،لا تقولي حمص ككل البلاد ،خبزة يابسة قابلة للإبعاد مقابل كسرة مغموسة مرقا ،لا تقولي حمص ككل البلاد فكل البلاد في مقعدها يا ورد تجوع وتقرأ ولا تستبدل جلدها عند نهاية كل مقال أو بداية جوع جديد .

 يحكون أن الصفر وجد عملا ، أصبح ذا جاه ومال ،، قصده المليون ليتوسط له في العثور على عمل ، وقف منتظرا بباب المعمل وما خرج الصفر ، فجأة تراءت له الثمانية قادمة ،سألها عن الصفر ، ضحكت حتى استلقت على قفاها ثم قالت أنا الصفر يا عزيزي ، من شدة الجوع عصبت بطني وها أنا كما ترى .صفران*1 .مأساة الصفر أنه يصبح صفرين عندما يتحزم ويترزم – تصوروا الصفر مشدود الوسط –العامل أكثر بطالة من العاطل . ماذا تريد ؟ألا تزال مصرا على البحث عن عمل أيها الرقم الضخم ؟ سمع ديك الجن ما سمع وعاد من حيث أتى إلى جوار ورد وأملى عليها قصيدة متراجعة عن التكسب – بطنا منتفخة بالبرد والقر تقول  بصيغة المفرد لو كان جداري زجاج لرأيت الدجاج وحليب النعاج وعرق بنت الحجاج *2أو بطنا تقول لو كان جداري زجاج لرأيت الزجاج خلف الزجاج يسحق الأمعاء والماء المهين متدفقا بين الصلب والترائب يقفز فوق ورد ليصنع في غمرة الأنفاس البخار العظام الحديد مشروعا لديك جن آخر يبدأ من حيث أنتهي وينتهي إلى ما انتهيت إليه صانعا ديكا جنيا آخر يتوله عشقا يعانق وردا ويقتلها محبة وغيرة وبدافع كل المشاعر الإنسانية.حنانيك . كيف نبحث عن عمل يا ديك الحن ونحن رأسمال وأرباب وعمال معمل ورد لتفريخ الديكة الجنية ؟

     ينـزل القلم مستريحا على حافة المرمدة خطأ ، لفافة التبغ ترحل خطأ أيضا على امتداد الصفحة العذراء حريقا حرائق ، أنتيه .أمسك القلم باليمنى السيجارة باليسرى وأتعلم ضبط الأمور ،الكتابة بالقلم تدخين السيجارة ،وتسرقني فكرة فأكتب بالسيجارة وأنفض رماد القلم ، أتعلم من جديد ضبط الأمور الأمور ،لو نصبوا الألف المهموز لكان الوصول إلى الحب ولو مترجما ،" أمور " الحب أمور ،الحب بالفرنسية أحلى هكذا تعلمت تعلمنا يا ديك الجن ، مرت أيام غزانا خلالها الإفرنج خلفوا ورد نصرانية وما كانت  rose أو  ..   fleur ورد كانت وردا ، امرأة على كل حال ، دلفنا بيوت النساء وغادرناها بحثا عن المرأة وما وجدنا المرأة لذلك اكتفينا بورد ،، وورد واحدة قلنا لها كوني كل النساء فكانت ،كوني المرأة المطلق في عهد العباسيات ، أصلا ونسخا للجواري والعارضات اللحم والأزياء بالبولفار الشيخات بالكباري العوانس بالحدائق المصونات المحتجبات بالسطوح بائعات الهوى بالدور والفنادق المراهقات بأبواب السينما والمدارس التجريبيات بالصالونات والفيلات رفيقات العمل الدراسة الحافلات ،الشمطاوات الكواعب القاصرات ، كوني المرأة المطلق فكانت ، آه صباحك غير طالع ياهذه ، قطارك تجره السلاحف عبر سكك قصبية تقضم السكة جوعا لا تحلم بالوصول إلى المحطة بقدر ما تحلم بالشبع والمغامرات ، سجلوا تأخير وصول قطار الشيخة إلى المحطة التي تعرفتم فيها على الإنتظار الثقيل ،سجلوا التأخير تعودوا على التأخير وتسجيل التأخير ، مهمة الرحالة مدمني الأسفار سيكتبها التاريخ للتاريخ التاريخ ، صباحك غير طالع أيها الشيخة ولو قلت bonjour، وأضحك وأضحك بالعربية ،شكرا لمن يصف الديك ضاحكا ، شكرا وشكرا لمن يصف جنيا ضاحكا ، وألف التشكرات لمن يصف ديكا جنيا غارقا في ضحكة واحدة ، ضحكة عربية ، عربية في عهد العباسيات والعباس هذا جد رأى حلما مزعجا فاستيقظ عابسا ، بالغ في العبوس وهكذا أسموه عباسا ،ورغم أن الأطفال يضحكون ما اجترأ أحد أن يسميهم بني الضحاك ، ورغم أن الأطفال يكبرون ما فكروا في تغيير أسمائهم دفعا للشرور والبلاء والحسد ،، دعوني أضحك أضحك بالعربية ، من قال ورد نصرانية وورد تروي الأشعار تجيد الضرب على العود والقلب وتصلي في اليوم خمس مرات ، من قال ورد نصرانية ومنذ أعتقناها يا ديك الجن من سوق النخاسة بالنفس والنفيس ونحن نحيا الألف ليلة وليلة بالعربية.بيتنا الليلة الأخيرة لا تغشاها عيون التجار أقنعة هارون ومسرور ،، أغار عليك ياورد ، أعلم أنهم لو سمعوا عبر شقوق الباب غناءك العربي لأحيوا بصوتك ألف ليلة أخرى ، لو سمعوا فقدتك  حضنا وجدانا ومعملا لخلق الأيام ،يمسخونك جارية عادية يستنزفون طاقاتك شعرا وطربا ، يغرقونك خمرا وذهبا ، يقتل بعضهم بعضا للفوز بك على انفراد ثم يبيعونك في نصف الليل للتجار صوتا مشروخا جفنا منفوخا رأسا مطبوخا لإعادة بعض التوازن الفضي الذهبي وتغطية عجز بيت مال المسلمين ،،أريدك يا ورد لي ، أريدك وأغار أيتها المرأة المطلق .

   لم يمنحك العباسيون يا ديك الجن جواز سفر لبيكال أو السويد أو الدنمارك أو هايد بارك ترى الحريم  عاريا بالشارع عاديا ، لذلك كنت أسير ورد ، مكبوتا رغم إدمان التفريغ ، لا تقل المواخير أو البيوتات لا تقل ،حبهم عملية تجارية يكون الخاسر فيها مسمار يدفع درهما أو بنك طائي يدفع أكثر لتكون السلعة أفضل .كلما زاد الدفع كان الوصول إلى تجاوب أروع مرورا بطريق  معبد وأسلوب غير معقد ، / حب يتحقق على مستوى الكذب والاضطرار بإضافة ما ينقص من دراهم إلى الطرف الضعيف في المعادلة / ونحن فقراء حتى ولو طرنا إليهم في شوارعهم المتمدنة بدل الأقبية والكهوف . فقراء ننتظر أيام الكساد لنقتني ما نعشق بأبخس الأثمان أو كلمة حنان أو بالمجان . لا يا ديك الجن ، لا ، لدينا ورد وورد لست أدري كيف تعلقت بتلابيبي وجاءت إلى الدار / الحب / والحب كما علمتني وعلمتك مبهم مرفوع إلى القوة الخفية العليا طرف في معادلة ذات ألف مجهول أحد مجاهيلها القلب الباحث عن المرأة المطلق /الحب/ دعني من حب كل الناس ، المعادلة ذات المجهولين سين الأولى وسين الثانية وعلامة تساوي التساوي قهرا وميلاد الحب كما تيسر ،حب كل الناس معادلة ذات مجهولين ، معلومة مغلوطة ،طرفاها خطأ يستدرج خطأ ، ،ياديك الجن ..آه وآه  وأي التأوهات أحلى عند سدنة العشق الشعر فنكتبها لنكون عشاقا شعراء ... وكتبت لي بائعة حبلى بغير ديك الجن ،، ألم أقل لك يا ديك الجن إننا جد وابن ، قتلتها بسلاح سارتري معاصر لا تعرفه أنت ،أعدمتها وجوديا ، تجاهلتها ، ماذا نقول ياديك الجن لورد ، نغار عليها ونخون ،نقتلها لمجرد الشك فيها في خيانتها ونخون ألف مرة ، وبعدها نحلم بجوازات السفر والتجريب .
      ليس سابقة أن يقتل الإنسان إنسانا ما دام قابيل فعل ما فعل . وليس سابقة أن أو بدعة أن تخلق ورد الخطايا بفتنتها / والفتنة أشد من القتل / ما دامت حواء قد خلقتها بتفاحها ،، مطرود يا ديك الجن من الدنيا إلى الدنيا عبر زجاج نافذة الإغاثة ، وابحث عن الورود بدل ورد ، عن النسخ بدل الأصل واغرق في ألف الخطايا ، فكل الخطايا إنسانية ،وكل الناس يمجدون ولو كذبا الإنسانية ،يمجدون خطاياهم لأنها خطاياهم .اغرق في الخطايا بدل خطيئة ، مرتكب الجرائم المتعددة يحاسب قانونا على جريمة واحدة كبيرة ، التعدد ظرف تشديد ليس إلا، وليكن التشديد التخفيف ، نحن يا ديك الجن نقضي عمرا كاملا وراء قضبان أو زجاج نافذة وكأن العمر دقيقة أو ثانية ، السجن الموضوع تخصيص للسجن العام ، اختصار للدنيا ، ما أحلى الاختصار ، ما قل ودل ، لا فرق البتة القهر التعذيب الجوع البرد،قهر تعذيب جوع برد ،سيان ، تخصيصا وتعميما ، عبث تشديدهم تخفيفهم ، عبث حتى الخطايا مادام قابيل فعل ما فعل ،وحواء فعلت ما فعلت ،أنا ديك الجن وأنت حفدة هذا الإنسان المفسد في الأرض المسجون بالأرض ، لذلك أنا برئ من قتل ورد براءتك  تماما ، برئ ما قتلت ورد ، برئ رغم أنني القاتل .
       محرم أيها البهاليل والبهاليل تعني السادة ،مجرم فوق العادة ،أقول البهاليل ومفردها بهلول لأثبت فصاحتي وطول باعي ، أنا ديك الجن الحمصي ،شاعر مغمور مدمن العشق الوردي قاتله من أجل أن نحيا عشقا ورديا ،، ما رأيكم ؟؟ أيهما تختارون تشريفا البهاليل أم السادة ؟ مجرم فوق العادة ، وضعتها تحت سيفي ، أعربت لها عن شكي وخوفي ، قتلتها اضطرارا واختيارا ، قتلتها لأني أحبها وضيعت على البهاليل لذة المسيو "ساد " قتلتها .

الرواية الأولى
هو عبد السلام بن رغبان ، لقبوه بديك الجن لشدة احمرار وجهه /احتقان وجهه فائض أو ضغط دموي يتفجر شعرا ، خجل فطري يتبرعم في حضرة الملاء الوردي أو شاهد قبرها ،حياء مكتسب عن الرؤية والرؤيا في المرايا العباسية / عمره حمولة أطنان قبل الميلاد بعد الميلاد وكيلو غرام اليوم الزئبقي ، ديك الجن شاعر ، ولأن وزنه ثقيل جدا فهو يكره الوزن ،شاعر ولأن اللغة لا تعدو أن تكون أكثر من لغة كان الديك شاعرية موقف داخل اللغة لا لغة ، شاعر ، ولأن القافية روي يلتهم نفسه نازلا إلى الهاوية مستجديا التصفيق كان بلا قافية ، ولأن العالم يعيش أزمة ورق كان يكتب لا يترك فراغا بالصفحة يخجل أن يملأ سطرا عريضا بكلمة واحدة ليجرف سوق عكاظ إلى الإنبهار الإستحسان الإستهجان مقابل ضياع بياض قابل لاحتضان كلمة أخرى كلمات أخريات في ليل الأمية الجهل التجاهل ،، ولأن البحر الطويل طويل طول العذابات ، البحر المديد مديد امتداد الجوع ، البسيط بسيط بساطة العقول / لأن البحور بحار /اختار ساقية يشرب عندها الكاسات لا يترك شيئا للصباح مخافة التلف الحموضة الخسارة ،عاكفا على اللذات يبكي كلما فاضت الكاسة أو العين على أطلال كربلاء يخزن دمعه تقية / ديك الجن شعوبي ،كذلك قال الراوي ، لكنه رزين متزن عاقل ،نقطة ضعفه ورد ،لذلك تحطيم ديك الجن ، إبعاده عن الساحة ، جس نبضه يأتي عن طريق ورد،، مرة عاد الديك من سلمية *3وجد الإشاعات الأخبار التشكيك الأصابع تشير إلى ورد ، قتلها غيرة نقمة حبا ، ، هكذا كان القتل الأول ثم البكاء المناحات الندم .
الرواية الثانية
تركت الدار ،هجرت حمص ،اشتغلت بثديها ،ضاحكت من يضاحكها ، غنت بكل اللغات ، منحت أسهما من أسهم معمل التفريخ ، وزعت الحب كما تيسر وعادت ، عادت ، حائط يسلمها إلى حائط يسلمها إلى حائط ، وردا ذابلا بلا لون بلا طعم بألف رائحة كريهة ،، انهارت على صدري ، هوت ، فهوى فوقها حد السيف والقلب المخروق بسهم غدرها .
الرواية الثالثة
 تقول الكتب إن ديك الجن فاجأ ورد تعانق غلاما ،، قتلهما معا ،أحرقهما ، صنع من رمادهما قدحين للشراب .*4 يشرب منهما ويبكي ، وعندما تنتهي الخمور ابتداء من الحمراء حمرة وجهه إلى الويسكي ، يبكي ويشرب دموعه ندما .
الرواية الرابعة
أبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني ينفيك ياديك الجن وجودا وتواجدا ، ينسب حياتك إلى سليك ،، مرة كان هذا السليك ،عفوا ، كنت ياديك الجن بالغابة ، رموك بسهم ، عدوت هرولت إلى الدار نزيفا وكانوا وراءك ،، صعاليك القبائل ، خيرت ورد بين الموت أو الحياة بين أحضانهم ، خيرتها احتراما للشكليات ، قتلتها سواء وافقت أو رفضت ، قتلتها حبا واستئثارا بالورد يسقط مسبيا أمام الشوك . قتلتها وبكيت /أقتلك يا ورد أيتها المطلق ولا أتركك / وعندما طرقوا الباب وفتحت لهم ،، كان الأصدقاء يخبرونك أنهم تعقبوا الصعاليك وعادوا للاطمئنان عليك .*5 إبك بالخمر أيها العربيد مرفوعة إلى الدرجة الكحولية المائة واشرب الدمع اشرب الدمع جامدا إلى حدود الصفر ، هات منديل ديدمونا وتحسر عليها :
("أعملت سيفي في مجال وشاحها     ومدامعي تجري على خديها
ما كان قتليـها لأني لم أكن      أخشى إذا سقط الغبار عليها
لكن بخلت على الأنام بحبها       وأنفت من نظر العيون إليها
فوحق نعليها وما وطئ الثرى       شئ أعز علي من نعليها ")
                                       ديك الجن
تعقيب :
لم يصدقوا يا ديك الجن أنك القاتل أني القاتل ..لماذا لا يرتاح الضمير يتنكب التبكيت الندم الشعور بالذنب ؟ قالوا انفلت الصعاليك وقتلوها . كيف قتلوها ؟لسنا ندري / لم تشرق الشمس أبدا/ قالوا وأخلصوا لنا التعازي وها نحن جنونا وحبا نهذي. ما قتلنا أبدا ما قتلنا. نحن الجنون الهذيان الحب العظيم فقط . أبرياء يا ديك الجن أبرياء طوال العصر الآدمي دون دفاع دون مرافعات ، للديكة فطور الصباح ، للجن أسبوع رقص وجذبة ، للإنس زردة وللحيوان قصارة . هات يديك نحن أبرياء ياهذا . هات يديك .سلام .
صيغة منقحة لمطولة كتبت ونشرت سنة 1978
هوامش
1-       نكتة شعبية بتصرف
2-       صيغة تهكمية شعبية بتصرف
3-       و4-عن كتاب العصر العباسي الأول للدكتور شوقي ضيف ،صفحة 325و326 طبعة 1972 بتصرف
5-       عن كتيب "القصة العربية القديمة "لمحمد مفيد الشوباشي صفحة 92و93 سلسلة المكتبة الثقافية عدد106 أبريل 1964 بتصرف

الأربعاء، 3 أغسطس 2011

الشعر من مقترب إنساني

الشعر من مقترب إنساني
                                         
  رابح التيجاني

                          
   لتحديد الشعر كقيمة لامندوحة من تحديد مجموع القيم لأن الشعر خلاصة للتصور والتفاعل  مع مختلف القيم والمفاهيم ، الحياة ، الموت الحرية ،، الشعر تميز إنساني وتجربة عقلية تتأطر بالتموقعات  تجاه مجموع المشاغل الفكرية ، أربط الشعر بمستوى معرفي وليس بمجرد التربية الجمالية ، ولا أومن بمطلقية قيمة الجمال في الأدب وأحاول أن أجد تخريجا جدليا إبداعيا لللأدب في توجهاته نحو الواقع   جميلا وقبيحا.

          أعتقد أن التقليد والحداثة قضايا لايجب أن تطرح للخروج بالشعر من مجرد مناقشة الشعر إلى خاصيته أولا ، أتساءل أيضا وأشكك في غائية الجمال بالنسبة للأدب الثوري الواقعي وأعتقد أن مواصفات الشكل في الشعر لاتتفق مع شموليته إذ يمكن للشعر أن يستوعب كل أصناف التعبير ويوظفها لأنه أصلا مضمون قابل للتلفع بكل الأشكال التعبيرية وفنون القول ، أقيم تفرقة بين الشعرية والشاعرية فالأولى في نظري تناسق ونظام أو تحقق بين الاختلاف والئتلاف قد يتجلى في غير الكلام كالطبيعة والأشياء والكائنات ، والشعرية حالة تعنى النظام أو نظام الفوضى أو فوضى النظام تعني المعنى أو اللامعنىفهي موضوع حكم عقلي يلبسه الناس لما تواضعوا بشأنه على أنه جميل ،منظر غروب الشمس مثلا . أما الشاعرية فهي تجسد لمثل هذه الحالة من خلال الذات الانسانية كتابة أو تعبيرا ميميا أو رقصا أو موسيقى ، والشاعرية نسبية بالنظر لممارسها ، أرى أن الناس بشكل أو بآخر شعراء وقصاصون وروائيون ، فقط ينتفي الوعي لديهم بأنهم يفرزون أدبا وفكرا ، وليس من يكتب هو المبدع فحسب مع التسليم طبعا بتفاوت المستويات إتقانا وانحطاطا .
   
   الشعر سيكولوجيا جدل الوعي واللاوعي ، أدبنا القديم كان نزاعا نحو الوعي ،  الوعي باللغة بالمضمون بالبناء ، في حين أن أدبنا الحديث ميال نحو اللاوعي في اللغة والطروحات والمضامين .

       الشعر عمل عقلي في حالة يكون فيها العقل طفولة أ جنونا أو شيخوخة أو لعبا أو نبوة أو فاقدا لصرامته وانضباطه المنطقي على الأقل ولكنه عقلي دائما ، أعتقد كذلك أن العلم والشعر توأمان وأن الفرق بينهما هو أن العلم شعر دخل مرحلة التنفيذ والتحقق ، فكرة الطيران مثلا . 

      ربما ارتبطت أحيانا صفة الشاعر بالجنون والعبثية والتفكير الخرافي البدائي الطفولي ، لذلك فأقرب الشعراء إلى الشعر أقربهم إلى عبثية التفكير وطفوليته من جهة وأقربهم إلى الجنون الذي يشكل أزمة عقلنة وانهيار مقاييس التفكير المعتاد لأن الجنون يعكس أزمة عقل يصبح نوعا من المعرفة الخارقة ولأن سذاجة الطفولة تعكس فهما وتفرز مقومات محددة وتصبح هي أيضا نوعا من المعرفة الخارقة ، لذلك أقول تعلموا الحكمة من أفواه الشعراء فالشعر جامع للجنون والطفولة وأقانيم أخرى .

        أرفض النمذجة ، لي اللغة ولكل قصيدة لغتها ، ومعتقد أن أحط مراحل الشعر باعتباره خلاصة مركزة لمعايشة الحياة هي سقوطه في التشكيل بين الاختلاف والائتلاف في التراكيب اللغوية ، ومقتنع كذلك بأن الجدل مبرر الشعر ومجاله وأن أروع الشعر ذو نفس ملحمي وخلاصة شمولية ووليد هيكلية التصور والمعايشة بعمق للحياة بقيمها وأوهامها وقادر على توظيف النثر والصورة واللون والصوت والايقاع بل والصمت عند التجلي .

       إن الشعر بالكلمة الموزونة الموحية في نظري اجتزائية وقصور عن الاستعمال الشامل لوسائل التعبير الانسانية ، وأعتقد أن شعر المستقبل لابد أن يكون اقترابا من الحياة أكثر ومنخرطا فيها وأعتقد أن أنسب شكل لتجسيده قد يكون المسرح أو السينما، وربما كان اللجوء إلى توظيف الرسم والخط في الشعر وتوظيف النثر وتوظيف الموسيقى وهذا تجلى قديما في السوالف مثلا وما تقدمه من قصائد محكية يرويها شاعر وهو يعزف لازمته على ربابة ، ربما كان هذا اللجوء إرهاصا بأن الشعر لابد أن يرسو في أوج عصوره على محطة يوظف فيها كل الوسائل التعبيرية المتاحة .

      حاولت من بعض هذه التلويحات إلقاء بعض الضوء على مفهوم أو تصور ما لهذا الشعر ويقيني أنه يستلزم مزيدا من التمعن والتفكير ومقاربة قضايا مرتبطة بالشعر من حيث فاعليته ومنهجيته وعلاقته بالفنون بالنظام بالفوضى بالانسان بالغرابة بالمعتاد من المعاني بصراع الواقع  بجدل الحياة بالفعل بوسائل التعبير بميكانزم عمل الدماغ بالنبوة والسحر والحضارة والبدائية ، علاقته بالنفس بالعقل باللغة بالغيبيات بالجنون بالطفولة بالكهولة بالفلسفة بالمظاهر الطقوسية بالفونولوجيا، هل الشعر استجابة عاطفية ، غرائزية ، عقلية فحسب ،وهل يمكن أن نعتبر الشعر علما من علوم الانسان ، إلى غير ذلك من الأسئلة التي بالإجابة عنها يستطيع الشاعر أن يفسر ماهية شعره وكيف يكتب ولماذا يكتب ولمن يكتب كما نردد دائما جاهلين أو متجاهلين ،وهل يكتب أصلا .     1981


                  
                                         

عن الشعر والأغنية والحب

عن الشعر والأغنية والحب
                                  رابح التيجاني

      كثير من المثقفين يستخفون بالكتابات المتعلقة بالحب ويستهجنون الأغاني الرائجة التي نسمها بالعاطفية ويعتبرونها مائعة وتافهة وسخيفة  وتجدهم خلف الجميلات يصفرون كالرعاة بين المواشي ، وأكيد أن الدفاع عن هذه الكتابات والأغاني يبدو رهانا خاسرا ،حقا هناك كتابات سخيفة ، أما الحب فهو قضية من أهم وأولى القضايا وطرحه عبر الإبداع ليس ابتذالا ، إن الحب في اعتقادي أعقد القضايا الإنسانية التي رغم كثرة ما قيل عنها تظل مغرية ومثيرة ، أليس الحب تميزا إنسانيا ؟ إنني واثق من أن الذين يكرهون هذا الحديث العاطفي والمناجاة وتلاوين التعبير عن الإنشداد للآخر هم يخلطون بين قضيتين : قضية الحب وقضية الجنس ، الجنس إلى حد ما ليس مشكلة ، مثلا عند الحيوان الأمر لايثير إشكالا ، وعند الإنسان كانت فوضى الجنس مثار صراع وكان التنظيم للجنس أيضا مثار صراع ووسيلة للضبط ولكنه دائما ظل مجالا سهلا يرتاده البشر بالطرق المشروعة أو غير المشروعة ، ولكن الحب شئ آخر ، إنه إلى حد ما قضية ميتافيزيقية ، كيف يستطيع الكائن الواحد أن يتخلص من أنانيته أن ينخرط في طريق التعاطف في مسار الألفة فرارا من الوحشة والعبث وبحثا عن المعنى وإكسابا للوجود نوعا من القيمة والتبرير؟ .

      إن حديث الحب ما لم يكن أصلا قناعا للجنس فقط ، والجنس المبتذل خاصة ، هو حديث بليغ ويتضمن نزوعا إنسانيا خالدا لا يمكننا بجرة قلم أن نلغيه مهما بدا لنا تافها ، إنه حديث يضفي على الوجود وتجارب الحياة ظلالا هي ما يفرق بين حياة الناس وحياة الحيوان ، وليس الإحتياج للمرأة مجرد احتياج عابر،إنه أكبر من ذلك بكثير، ولعل الجنس وسيلة من الوسائل وطريق من طرق الحب ، ولكن الكثير في غمرة تجارب الجنس يغرقون في أنانيتهم ، إنهم لا يحبون إلا أنفسهم ، إرضاء رغباتهم ، أما الإنفتاح على قلوب مشدودة إلى نفس الهموم وضائعة في نفس الطريق وباحثة عن الأجوبة ذاتها والآفاق ذاتها والغيب ذاته فأمر يبدو مبتذلا ، إن التعبير عن الحب حتى في أقصى حالات الإبتذال مثقل بخلفيات عميقة ، إننا نعاني الوحدة حتى إذا كنا "دون خوان"، نتخلص من امرأة لنصطاد أخرى ، نعيش في دوامة الحاجة البيولوجية وتلبيتها، ولكننا في الحب نتخلص من وحدتنا ، نشعر أن الإنسان ليس واحدا ، ليس وحيدا ، إنه التمازج والسير خطوة وقعها واحد في طريق موحش ، من يسلكه وحيدا لن يكون بحال من الأحوال إنسانا ، إن الحب تضامن تجاه الغيب والميتافيزيقا والواقع ، وهو بذلك إن تحقق يبدو أغلى مكسب وأغلى قيمة في الحياة ، به لا نصبح مجرد كائنات تصرف الأيام ولكن تصنعها ، وتصنعها بإرادة مشتركة تفكر في الذات وفي الآخر وفي الحياة وفي المستقبل والإستمرار .

      إن الكثير من الناس يعبرون عن الحب بسذاجة حقا ، وفي طليعتهم عديد ممن يكتبون شعر الأغاني الذي نشتكي جميعا من مضامينه السطحية المتجاوزة ، هم يريدون ، يشتكون الهجر ، ويعيدون ما تلقنوه من أصناف الشكوى ، بسطاء في تعبيرهم ، ولكنهم مع ذلك يصدرون عن عمق فلسفي قد لا يدركونه ، إن الحب غريزة كما الجنس ولكننا في سيرورة ابتذال القيم وتقزيمها وأمام معضلات الواقع نجد الحب كما لو كان حالة مرض أو جنون ، وقد اتهم العشاق الخالون بالجنون ، وهم كذلك حقا لأنهم في هذا العالم الأناني ، المريض بأنانيته ، المريض بجنونه ، استطاعوا أن ينصهروا في الحب ، في أفق  يصل بهم إلى ذواتهم عبر غيرهم ، استطاعوا أن يمدوا جسرا أمام الكائن البشري ليبلغ جزءا من معنى وجوده ، إنني أتساءل رغم كل ما قيل عن الحب هل نحن قادرون على الحب ؟ إننا في أقصى الحالات نمارس كذبا مفتعلا ، نحاول أن نتخلص من عدميتنا من عبثية وجودنا ، نحاول أن نرضي رغباتنا ، نمتلك امرأة وننجب أطفالا ، لا ندرك معنى إنجابهم كالحيوان تماما ، نرعاهم أو نتركهم لرعاية السماء ، إننا عندما نحب لا نتخلص من العبثية والعدمية ، لا نرضي رغباتنا فقط ،إننا نؤسس الحياة ،إننا نتحدى ألغازها ، إننا نعطيها الإستمرار ، إننا نتجاوز ضعفنا وضآلتنا ، نخلق القوة ونبعث القيم والمعنى ، لذلك فإذا نادى عاشق بابتذال أو بعمق فإنه لا ينبغي أن نتلقى نداءه بإدراكنا المحدود الذي تعلمناه عن الكبت والتفريغ ، إن الحب قضية أخطر من الجنس ، ولا أعتقد أن النجاح في الحب أمر سهل ، ولذلك يحق للناس أن يظلوا منذ كانوا يبكون حرمانهم ، ويحق لمطربينا وشعرائنا أن لا يخجلوا من أغانيهم السمجة الضحلة في نظر البعض ، وليبكوا ما شاء لهم البكاء بل وليندبوا ويرددوا المناحات في محراب الحب ، أليس ثمة من أتخمه ركام غرامياته وتنامي رصيد علاقاته ولا يفتأ يجأر بالشكوى والحنين ؟ هل نحن لا نعرف ما نريد ؟ أم ندرك من الحب مرحلة وتنحجب عنا مراحل؟ وماذا نقول عن الحب بعد أن تنتهي قوة الجنس ثم ماذا نقول عن الحب الذي لا يمكن أن يكون الجنس من أركانه ؟.

    إننا نفسر الإقتصاد بالإجتماع ، والإجتماع بالإقتصاد ، والجنس بالحب والحب بالجنس ، غير أني أرى بأن الحب قضية منفصلة حتى إذا ما ارتبطت بقضايا أخرى ، وهو في اعتقادي كما أسلفت أشبه بالقضايا الميتافيزيقية ، لماذا نحب ؟ ولماذا نحب هذه بالذات ؟ وكيف نحب ؟ وماذا نريد من الحب ؟ تلك أسئلة لا نملك جوابا نهائيا عنها ، نحب لأننا نحب ، ونحب هذه لأننا أحببناها ، وكيف أحببناها لاندري كيف ، ونريد من حبها ما نريده وما لا نعرفه أيضا .

      إن الحب ليس بالبساطة التي نتناوله بها ، إنه أكبر منا ، وإنه سر من أسرار تميزنا ككائنات إنسانية ، ولذلك فإن الإبداع في مجال الحب كيفما كان سطحيا يثير لدي من الأسئلة الكثير حتى ولو كان إبداعا ساذجا ورديئا لأنه تعبير عن هم وشاغل خالد ومشروع ، ولست أعتقد على الإطلاق بأن الحب قضية تنتهي ، إننا نحب دائما وعندما ننتهي من الحب تنتهي إنسانيتنا ولن نكون آنذاك إلا كالحيوان الذي لن يضطر بحال من الأحوال ميتافيزيقيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا أن يندب مأساته في الوجود باحثا عن الحب .

       إن الجنس بكل إيجاز احتياج بيولوجي بالدرجة الأولى ، في حين يظل الحب احتياجا عاطفيا ، لكن أنجح العلاقات تلك التي يزدوج فيها الجنس بالحب محققا احتياجا آخر ، احتياجا اجتماعيا توافق المجتمع على تحديده في مؤسسة الزواج . وعلى كل ، فإننا عندما نرفض عواطف بدعوى كونها رخيصة أو تعبير عن كبت فإننا في الواقع لانولي العواطف ختى في إطار الجنس ما تتميز به من إنسانية محاولين بذلك الإدعاء أننا حققنا إشباعا ولانعاني حرمانا ، في حين أن الجنس البعيد عن العواطف هو ممارسة لا نختلف فيها عن الحيوان ولا تحقق إلا إشباعا بيولوجيا ، أما الحب فيظل تميزا إنسانيا واحتياجا خالدا أكيدا اقترن بالوصل أو بالهجر . ثم ألا يجد الحب بكل تفاصيله متسعا له في قلب الخنادق وساحات الحروب ربما أكثر من فضاءات الحدائق وبين أسراب الحمام وأجواء السلام ؟ إن الحب خلاصنا حقا من اللاجدوى والعذاب .

    إننا عندما نحب يصبح لوجودنا معنى آخر ، ليس بالمفهوم الوجودي الذي يرانا كائنات مقذوف بها للعالم أو الكائنات الملعونة في الأساطير والمخلوقات التي جاءت للصراع والإبتلاء .

     عندما نحب تصبح كل القيم الخيرة أصل الوجود، نحب الحياة ولا نخشى غير الفراق ونتجاوز حتى الموت إذ نعطي للحياة الإستمرار والإستمرارإلى الأبد … 
(ذات يوم من القرن العشرين)

الثلاثاء، 26 يوليو 2011

عن النثر والشعر . والشعر / رابح التيجاني


عن النثر والشعر ..والشعر
                                               رابح التيجاني

      أجهل الشعر  أجهل النثر
 أجهل الشعر ، أجهل النثر ، وأعرف الكتابة ،صبية عذراء أغشاها وتغشاني قبل أن تصبح مدام قصيدة أو السيدة مقالة، أعرف الكتابة قبل أن تذبح قربانا أمام أوثان الإستطيقا ، وإن كان مشروطا أل تعتبروا الشعر إلا إذا أرقصكم فثمة في الصدر أنغام الحزن الجنائزية دندنات الفرح، ثمة ما يكفي مقامات وإيقاعات تركبها النفس وتموج حدوا ، وإن كنتم تستلزمون القوافي هاكم لهاثي وأنفاسي تواترا وتقطعا ، محطات أشمخ جذبا وحرارة من تكرار الروي أو السبب الخفيف أو الوتد المجموع أو المفروق ، سألتني عن رأيي في قصيدة النثر ، رأيي الموضوعي ، وأدخل ذاتي وأخرج منها وأسألني وأسألكم كيف أكون موضوعيا ؟ أأتحدث عن مجلة " شعر " وما أتيح لي الإطلاع عليها ! أأستعرض ما علق بذاكرتي عن تثوير اللغة وزمن الشعر والشعراء أدونيس إنسي الحاج يوسف الخال ، طليعة شعراء لبنان ، أأتناول شهادات الماغوط تجاه زمن الرداءة وعلاقتها بالشعر ؟ أأتموقف إزاء إفرازات الشعر بتونس وأتناول ظاهرة إبداع " غير العمودي   والحر "، أأخوض غمرة الشعر المغربي فأفاجئكم بأن مصطفى المسناوي في كتاباته القصصية شاعر وعبد الكريم برشيد في كتاباته المسرحية شاعر وأن عددا من الشعراء لاارتباط لهم بالشعر عموديا ومنثورا وحرا ؟ أأنطلق ابتداء من انتفاضات الشعر المعاصر وأعلج نازك من " الكوليرا " وصولا بها إلى الموت أو الحياة التي تكتنه قصيدة اليوم ؟ أأخرج بالسياب من تساؤله " هل كان حبا " وأنساب تدريجيا عبر متطلبات الواقع إبداعيا ؟ أأستند في جوابي تراثيا وأعانق ثورات الماضي وأستفسر ابن المعتز وأبا تمام والمتني والحمداني ونظراءهم ،أم أستفسر ابن الخطيب وكل وشاحي الأندلس والمغرب والتروبادور ؟ ؟ لن أفعل ولكني أسأل ما السر في كل هذه الضربات التي يتلقاها الخليل ، ولن أجيب فالخليل قد سقط فعلا أو لابد أن يسقط بشكل أو بآخر أو تسقط صنمية النظرة إليه ، وسيحتفظ له الشعر بفضل التأطير الإيقاعي لديوان العرب ، ذلكم التأطير الذي إن كان فيصلا بين فنون القول فإنه ليس معيارا للشعر ولا ضابطا لحدوده ومستوعبا لتطوره ،، وأنتقل عبر تساؤلي وأساير أراغون في سان ميشيل أو سان جيرمان ونجالس بعضنا في مقهى المنبع ونختلس الشعر من عيون إلزا فلا يكون إلا كما شاءت الكتابة ، كتابة أوتوماتيكية، تحتفي مقطعية اللغة الفرنسية وقوافيها ويكون الشعر ، كيف يكون ؟ كذلك يكون، وأتابع سارتر في تفريقه بين الشعر والنثر ، الفشل والنجاح ،الرقص والمشي ،وبالرغم من كل التنظير يظل الشعر خارج القمقم دائما ، وأسأل ت س إليوت  فيجيبني :" لم أستطع أبدا أن أحفظ أسماء التفعيلات والأوزان أو أن أقدم فروض الطاعة لقوانين العروض المعتمدة وليس معنى ذلك أنني أعتبر الدراسة التحليلية للأوزان والأشكال المجردة التي تختلف اختلافا بينا عندما يتناولها الشعراء المختلفون مضيعة للوقت ، وكل ما في الأمر أن دراسة تشريح أعضاء الجسم لايمكن أن تعلمنا كيف نجعل دجاجة تبيض "(1) ولو أن إليوت يستدرك بأن :" وراء أشد الشعر تحررا يجب أن يكمن شبح وزن بسيط إذا غفونا برز نحونا متوعدا وإذا صحونا اختفى حيث ان الحرية الحقيقية لاتظهر إلا إزاء قيود مصطنعة " (2)فإن أشعار إليوت نفسه وأرضه الخراب مترجمة حملت كل الشاعرية وهي خالية من الوزن والقافية ونبرية اللغة الإنجليزية.
      لا أريد أن أستطرد وأستنطق إزراباوند أو كولردج أو بليك فإن بعض أشعارهم لم نقرأها إلا مترجمة منثورة ولقد ظلت في مجملها شعرا ، إن الشاعرية الحقة لاتعتمد موسيقاها العروضية اعتمادا ولعل هذا ما سمح بالعرف على شعر حقيقي يوناني أو تركي أو إسباني وعداه مترجما ومنثورا ، غير أن شعرنا العربي بطقوسه يحمل من الإيقاع والبيان والبديع أكثر مما يحمل شعرا ، وتلك سقطته التاريخية التي لابد أن يبدع المبدعون في إطار تجاوزها ، ولا أنفي ضرورة الإفادة منها إلى حد ما ، ولنتأمل إلى أية درجة يمسخ الفهم الموسيقي حقيقة الشعر بالمقارنة فقط بين بعض الترجمات العيدة لرباعيات الحيام ، لا أطيل وأساند تقريرا أورده غالي شكري في كتابه " شعرنا الحديث  إلى أين " يقول :" إن إحلال كلمة النثر مكان الوزن لا تعبر إلا عن رد الفعل الذي يصنعه الشعراء ، فقصيدة النثر تقف في الطرف المقابل لما يدعونه بقصيدة النظم ، ولكن دعاة هذه القصيدة يلتقون في الواقع عند حدود المفهوم الكلاسيكي للشعر ، بمعنى آخر المفهوم الشكلي ، فليس النثر في قصيدة النثر هو الذي يمنحها قيمتها الفنية الجديدة ، وليس النظم  في قصيدة النظم هو الذي منحها قيمتها الكلاسيكية القديمة ، وإنما هناك شيء آخر لا علاقة له بطريقة تركيب الكلمات نثرا ونظما هو الذي يخلق ما ندعوه بالشعر " (3) ولو أن غالي شكري يستطرد في هذا المقام ليشيد بالشعر العامي فإنه حقا أصاب المفصل وحدد مواصفات الشعر الجديد معمارية وأبعادا ، وإن كان الإبداع العامي باعتبار ثرائه وباعتبار العامة المقصود الأول بالإبداع ، ولضرورات الوحدة والقومية ، فإن القصيدة البديل تشمله عنصرا محققا للواقعية والجماهيرية ، إن المنظور الشعبي للأدب عامة يستلزم أصلا تحديد الشعب أولا ، أهو الشعب اللبناني ، الشعب المصري ، الشعب المغربي أو الشعب العربي ؟ أشك ولا أشك في انحرافية أدب العرب وسقوطه في الشوفينية ، ولكن هذا التنوع وبأصوله العامية بالإمكان استيعابه في إطار البناء الجديد للقصيدة الجديدة ومن أشكالها قصيدة النثر ، وبذلك يصبح مصدر إثراء وليس حدودا حاجزة .
البحث عن القصيدة الجديدة
      دائما في إطار البحث عن القصيدة الجديدة قد يعتبر ما قيل عن إبداع العامة موقفا رجعيا ،، حقا إن ثقافة الطلائع المتنورة كانت عبر العصور رأسمال ممنوع على الآخرين ، رصيدا في الأدمغة ، رصيدا يتم استعراضه بأبهة وتقسيط وبرمجة على الدونيين ، تحاول فرضه مدعية الإرتباط بالجماهير المسحوقة ومعاداة الكبار في الوسائل والمضامين ، هذا في أحسن الأحوال إذ أن أغلب ما وصلنا عن مثقفي العصور العربية لايعكس إلا المدح على أعتاب السلاطين جهارا ، طبقيا يمنع المتنورون شيوع ثقافة الجماهير ، تلك الثقافة التي تعني إقصاءهم أنتلحنسيا وبورجوازية صغرى عامة ، كما نصطلح على التسمية حاليا ،وتحطيمهم في إحدى مدعمات أشكال الممارسة ، إن البورجوازية صغيرة وكبيرة ، ونترك الكبيرة لله ، أقول إنها تعتبر أشكال الثقافة الشعبية ومضامينها سطحية مسطحة مبتذلة وبالمقابل تعتبر الفئات الشعبية ثقافة المتنورين ثقافة قصور ومجالس وصالونات وعوالم خاصة ولو تناولت شؤون الشعب وقضاياه ومشاغله ، إذ هي ثقافة تتوسل في كل مناحيها وأدواتها لغتها الخصوصية وقيمها الخصوصية نظرتها الخصوصية ، إن مسألة شيوع الأدب محكومة باعتبارات استراتيجية لكل فئة أو صنف أو طبقة ، والبرجوازية تجد مجالها في الوسائل السلطوية للتبليغ وتفرض بذلك قيمها الإبداعية والجمالية ، وتظل الثقافة الشعبية دائما مسارحها الشوارع الدور الحوانيت في كل مكان ، خارج سوق عكاظ أو على هامش قصور العباسيين ، بطبيعة الحال هي ثقافة مرفوضة رسميا ولكنها ثقافة الأغلبية التي كان يجب أن تصلنا وما وصلت أو أنها وصلت إلى حد ما متنكرة في غمرة ضحكات جحا أو حدائق كليلة ودمنة وليالي ألف ليلة وليلة والمقامات وزجليات المجذوب وسير الخوارق والأساطير والتحليقات التصوفية ،  ولو أننا فهمنا الشيء من ضده فإننا حقا ما نزال نعاني مشكلة التعرف على الثقافة الحقيقية من خلال الثقافات المزيفة وما يعتور ذلك من ملابسات ، ترفض الشعوب دائما أستاذية المسيطرين والموالين للمسيطرين وتصنع ثقافتها ، وبحكم السيطرة فالمعتقد أن تاريخ الأدب الذي قرأناه في المدرسة ما وصلنا إلا بحكم السيطرة ونحن لانملك إلا أن نقبله تاريخا ولكننا نرفضه إبداع الشعب العربي والأجيال ،من هذا المنطلق نتساءل ماذا حمل إلينا الشعر العربي ؟ وبطرح  أدق ماذا حمل إلينا الرقص العربي ؟ إنه باستثناء الشعر الذي تضمن تجارب انسانية ومعاناة حقيقية لا نعثر إلا على البحور طويلة ومتداركة ومساحيق الجناس الطباق التورية التضمين الكناية الإستعارة وما يؤكد البراعة اللغوية ، تجربة المتنبي وطرفة بن العبد وعروة بن الورد وأبي فراس الحمداني أوصلت أصالتها وغيرهم قليل ، ولكن أمام الخضم الهائل للشعر العربي نخجل حقا إذ لا يكون رصيد العرب شعريا إلا أسماء معدودة من خلال ملايين الأبيات ، وماذا أجدتنا علوم بيانهم وبديعهم وإني لا أدعو إلى تركها بقدر ما أتلمس مشارف القصيدة الجديدة مستغلة البيان والبديع والعروض في الظرف المناسب بحيث لا يستمر إبداعنا إلى الأبد توشية وزخرفة وموسيقى ، إسقاطا لطموح ترفي لا غير ، يتمثل من داخل الخيام نقوش القصور ويسير على رمال الصحراء العائقة راقصا ، جماليات الشعر  ،  هذا الوثن الضال والمضلل ،كيف تحدد قاعدة وتم شيوعها ؟ أتساءل كيف تسمح الكلمات لنفسها بأن تغرق في الجماليات والموسيقى الراقصة لتعرض للمتلقي قمم الحزن مثلا ؟ إنها الخيانة ، خيانة المظاهر على مر العصور ، خيانة الطبقات الظاهرة الطافية على السطح الطبقات المستفيدة أو السائل لعابها ، إنني بكل ملتقى أكون أو أريد أن أكون مكتنها للكتابة وتكون ألغازا ، أحاورها وعندما تملكني أو أملكها أمسك زمامها ، تنطق بي وتتبعني منقادة كظلي ونمشي حيث نشاء معا ،ةأنا وهي ، ننثر الخطو إذ تجرنا متاهة ، نرقص إذ تدغدغنا ريح مرحة ،نقف انبهارا أو احتقارا أمام حائط حيطان نختفي نظهر ،وإذ ينتهي المطاف أراها وأرى فيها نفسي وغيري ، أرى كل المخلصين مثلي أرى  الشعراء فيها .
        متحفية اللغة لا تستهويني بقدر ما يستهويني تسكعها بالحالة التي شاءت أنيقة أو مهلهلة بين الدروب وفي أصقاع الوجدان والفكر والواقع ، وأنحني لها إذ تكون متناسبة مع المقام ، قبيحة إذ تعببر عن القبح ، جميلة إذ تعبر عن الجمال ، أميرة وصعلوكة ، لامعنى إطلاقا لأن يكتسي التعبير دائما قناعا تجميليا يقتات بهموم الجماهير ويجعل من مشاكلها فنا جميلا لا غير ،إن أكذوبة إثارة المشاعر والتأثير فيها بالكلام العذب المموسق لا يهضمها إلا الذوق الأرستقراطي الذي يحنط هذه الأعمال ويدرجها في إطار التحف الفنية ، أتساءل كيف يأتيك الناعي وهو شاعر يخبرك بموت فلان يقول لك ماااات فلان مااااات  كان موته عظيما عظمة البحر موكب جنازته تظاهرة حاشدة غرق جثمانه بين الناس وذااابانتهى ،إنه تصوير يراعي أن يبلغ أمرا بوائل خائنة ، إن المحسنات البلاغية أفسدت علينا اللغة وما تحمله اللغة ، وماذا يهمني أنا من كل هذه الطقوس ؟ لو دعيت كإنسان يعاني حقا من موت هذا الفلان لصمتت أو بكيت أو قلت شيئا لست أدريه ، ولكنه هو ، إنه الشعر وهذا ما يجب أن نبحث عنه ، وليكن كيفما شاء  موزونا أو منثورا ولكن إنه سيكون بكل إطلاقية الكلمة ، الشعر الشعر المفقود .
الفوارق والقواسم
     لعلنا نتجاوز في حديثنا هذا فارق الشكل بين قديم الشعر وحديثه ، وأكيد ان الفارق ليس شكليا فحسب ، وقد أشار إلى ذلك غالي شكري ،إن المعيار التفريقي بين القديم والأنماط التجريبية الحديثة لا يمس الشكل دون المضمون وهذا ما يجعل الحديث عن قصيدة النثر متجاوزا للفوارق الشكلية وممتدا إلى جوهر الشعر عامة ، وإذا كان سارتر يقر بأن " اللغة الشعرية تنبجس فوق أنقاض النثر ، وان في كل شعر شكلا من أشكال النثر أي من أشكال النجاح ، فبالمقابل فإن النثر الأكثر جفافا يحتوي دوما على شيء من الشعر ، أي على شكل ما من أشكال الفشل " ويضيف سارتر :" إن أي ناثر مهما كان صاحيا لا يصل إلى الإفهام لما يريد أن يقوله فهو يقول أكثر أو أقل مما ينبغي وكل جملة هي رهان مجازفة أخذها على عاتقه وكلما تلمس طريقه ازدادت الكلمة تفردا "(4).
        أقول إذا كان سارتر يقر بهذا فواضح أن المسألة وفق هذا النسق من التحليل ليست مسألة كتابة شعرية أو مسألة كتابة نثرية ، ولكنها قضية تعبير بالدرجة الأولى، ونستمر مع سارترفي معرض مقارنته يقول :"إن التزام الشاعر الحديث هو التزام الانسان بأن يخسر وهذا هو المعنى العميق لذلك النحس لتلك اللعنة يعزوها إلى نفسه دوما والتي ينسبها دوما إلى تدخل من الخارج في حين أنها أعمق اختيار له ومنبع شعره لا نتيجته ،إنه متأكد من الفشل الكلي للمشروع الانساني وهو يعد نفسه للفشل في حياته الخاصة حتى يكون شاهدا بهزيمته المتفردة على الهزيمة الانسانية عامة ،  إنه ينقض إذن وهذا ما يفعله الناثر أيضا ، لكن نقض النثر يتم باسم نجاح أكبر في حين أن نقض الشعر يتم باسم الهزيمة المستترة التي يخفيها كل نصر "(5).
     وسارتر يقيم هذه التوازنات ليخلص إلى الشعر المحض أو النر المحض ونحن هنا لسنا بصدد عرض للوجودية المتجاوزة بقدر ما نريد استخلاص رأي وارد بخصوص معضلة التعبير باعتبار :" أن الإيصال مستحيل وأن الكلمة أداة لهزيمتنا ومخبأ لما لا يمكن إيصاله وصولا إلى القضية ، قضية البنى المعقدة غير الصافية والواضحة الحدود "(6).
      أعتقد أن الصيغ النثرية إلى حد ما جاهزة دائما أما الصيغ الشعرية فإنها تستحضر من خلال طفوس معينة شكلية ومضمونية ، ولكن مع ذلك قد يكون استحضارنا للغة الشعرية سقوطا في صيغ جاهزة باعتبار أن اللغة معين  يغرف منه الشعر والنثر ، ثم إن هناك صيغ شعرية جاهزة نجدها في الأمثال وفي بعض التعابير لدى العامة تكونت منذ قديم وصارت تعبيرا عاديا يستعمل استعمالا نثريا ، وهذا وإن كان يقود إلى حصوصية الشعر وأن النثر عمومي  فهو ليس فارقا ، وإن التعبير كان جاهزا أو غير جاهز محتاج إلى روح ما تجعله شعريا ،تلك الروح التي يمكن أن تمس اللغة العادية أو اللغة المصنوعة ، ثم إنه ليس مشروطا دائما في الصيغ الشعرية ن تكون مقفاة موزونة كما أنه لا يعيب الصيغ النثرية خلوها من الوزن والقافية وإنما فضل الشعر هو الإفادة من إمكانات العبير شعرية ونثرية إلى الحد الذي يجعل فعلا العمل المنتج إبداعا وخلقا .
موسيقى الشعر
     فيما يتعلق بالموسيقى في الشعر فإنها لا تخلقها رتابة الإيقاع وتكراره بل يمكن أن تنتج الموسيقى من تنوع الإيقاع أو التفعيلة ، وإن لكل كلمة بناء إيقاعيا يتحدد من خلال صوائتها وصوامتها ، فإذا أضفنا إلى كل ذلك ما تلبسه اللغة من دلالات وما تنتجه تقنية الكتابة من صور وأوضاع وتراكيب خاصة تبين لنا كيف يمكن أن يكون الشعر ولو في إطار تركيب نثري لايعتمد البيت أو السطر أو التفعيلة المحددة ، أتساءل كيف لا يمكن للمتلقي إدراك موسيقية الكتابة إلا إذا كانت متكررة حسب تفعيلة معينة ؟ فإذا كانت لكل كلمة بنية إيقاعية وإذا كانت ارتباطاتها بكلمات أخريات يقود إلى خلق سلسلة من الإيقاعات قد تكون متجانسة أو متنافرة فكيف لا يكون الإعداد لتصورها وتلقيها كذلك ؟ هناك في الموسيقى المغناة أو المعزوفة جمل موسيقية لا تعتمد إيقاعا واحدا متكررا ، ثم أليس في الموسيقى ما يسمى بالتقاسيم ن تقسيم على مقام الصبا مثلا أو الحجاز أو النهاوند أو البياتي ؟ إن هذه التقاسيم نثرية بحيث إن أداءها يتم دون إدخال الإيقاع في الاعتبار ، لماذا الشعر وحده نريد منه أن يكون موزونا ؟إننا نسمح للنثر بأن يخرج من نثريته ويتأطر في بناء موزون مقفى كما هو الحال في سجع  المقامات وفي بعض الأمثال ولكننا لانقبل العكس ، لا نقبل أن يسترسل الشعر ويتخلص من قيده .
       إن النظرة الأرثوذوكسية إلى الشعر قد تؤدي به إلى الإنقراض كما هو الحال في العلوم المحتكرة سابقا والتي أحيطت بهالات من التعجيز والحصوصية كعلم السحر مثلا . ولنعد إلى الإيقاع وعلاقة بنية الكلمة به في الموسيقى المعزوفة ، نجد مثلا إيقاعات موسيقية ثنائية ثلاثية رباعية إيقاعات بلدي مصمودي صحراوي وهذه الإيقاعات يؤشر لها ب"دم"و"تك"وترتيب هذه الدم والتك وفق تشكيل معين يعطي الإيقاع مثلا  :دم تك دم دم تك ، هذا إيقاع موسيقى يعتمد دم ويمكن تشبيها بمتحرك في تفعيلة فاعلن وتك ساكن ودم دم تك وتد مجموع التفعيلة ، ونقيس على ذلك سائر الكلمات أو التفعيلات ونرى أن أساسها إيقاعي حقا ، ولكن لا تتجلى بصورة واضحة خصائص هذا الإيقاع مثلما تتجلى في الموسيقى ، ولكن ما يهم قوله هو أن أخذنا لإيقاعات متعددة في آن لاينفي أننا لانستعمل إيقاعا ن مثلا ن فاعلاتن مستفعلن فاعلن فعولن مفاعيلن فعلن ، إن بناء الكلمات هكذا أو وفق أسلوب مشابه لايعتمد تكرار تفعيلة أو تفعيلتين لم تألفه الأذم في الشعر ، ولعلنا بحاجة إلى التأكيد على صرورة توافر الأذن لدينا على قدرة تستطيع أن تنتزع الموسيقى من خلال تعدد الموسيقى والإيقاع من إيقاعات ، لا أن تظل حبيسة الرتابة المعهودة ، دم دم تك دم تك ، فعولن ، وكفى. إنك وأنت تستمع إلى الدقة المراكشية تماما وكأنك تستمع إلى أرجوزة أو معلقة ، بناء محكم وإيقاع محسوب ، كل خروج عليه يستوجب تكسير التعريجة على رأس من أخل بالميزان ، ومع ذلك يستطيع الإيقاعي البارع تقسيم الزمن الواحد إلى أزمنة ويسميه "الزواق"إلا أنك وأنت تكتب الكلمة تستطيع أن تحذف ولكنك لا تزيد ساكنا  أو متحركا في صلب البنية عدا الترفيل والتذييل  ولو بدعوى الزواق  مع أنه من الممكن ذلك بشرط إدماج الزيادات في زمن معين عند القراءة أو الإلقاء وتخصيص زمن معين صامت للمحذوفات عند القراءة أو الإلقاء أيضا ، ونتناول إيقاعات الحيدوس أو الهيت ، إن هناك تصريفا للوزن بشكل غريب أحيانا يجعلك تعتقد أن الوزن مختل أو أنه لا وزن هناك ، نقرات متتالية على البندير بدون نظام هو النظام نفسه ،حقا إن هناك وزنا محددا لا يقبل التمازج مع وزن مغاير ولكنه وزن متفتح على الإضافة والتحرك وهذا ما نعدمه في الإيقاع الشعري ، إنه الوزن الخفي الذي تحدث عنه إليوت إلى حد ما .
      إن الفرق بين إيقاع الكلمات وتراكيبها التي تخلقها بنفسها وبين القصيدة التي تريد أن تحبس كلماتها في إيقاع معين مسألة لا تحتاج إلا لمزيد من المراس والقدرة على فهم واستيعاب التعدد ، ولست بحاجة إلى القول بأننا مدعوون إلى إبعاد ونفي ما بصم به إرنست رينان وأتباعه من الأعاجم عقلياتنا بأنها عقليات توحيدية لا تستطيع النفاذ للمركبات والمعقدات ، ومجال الموسيقى أيضا يحكمه ما يحكم الإبداع إذ لا نجد قدرة على فهم وتطبيق الموسيقى من خلال تنزع في النظرة بحيث تكون العقلية المبدعة والمتلقية جامعة للأقانيم وممتدة في نفس الموضوع الإطار ، إن عدم وصولنا في الموسيقى إلى ما يسمى بالتناغم يقابله حقا قصورنا في مجال الإبداع الشعري وعدم تمكننا من استخلاص الشيء من اثنين وإدراك الشعر سواء في الشعر أو النثر ، إننا أقرب إلى  الخيل التي تحاذي عيونها بقطعتي جلد   لترى طريقا واحدا أمامها فقط : الشعر يعادل التفعيلة والنثر انسياب وما عدا ذلك فلا شيء هماك.
       إن الشعر يكون قبل أن تكون اللغة وحدودها ، ولكنه باللغة يكون ، فباستحضار اللغة باعتبارها المميز للكائن الإنساني ووسيلة تعبيره الأولى بها نقول الشعر أو نقول عداه ، قد تحتوي هذه اللغة على الشاعرية المسكوبة وقد تظل بعيدة حاملة كل كلمة فيها مدلولها الخاص مضافا إلى المدلول الخاص لكلمة أخرى ومدلول خاص لكلمة أخرى ونكون أمام حالة مثيرة فعلا قد تقترب من الشعر بمبهماتها ، ولعله كان من باب التحديد إضافة قيود إلى الشعر أو أن الشعر تميز بالأشكال التي نراها عليه من وزن وقافية ، ولكننا بالنظر المتأمل نتأكد من أن الوزن مستوعب للنثر أيضا ثم إن عددا من القصائد العمودية لا تختلف في شيء عن النثر ،وإنه لمن الأكيد ما دامت نقاط الائتلاف بين الشعر  والنثر أكثر من نقاط الاختلاف أن يتحدد الشعر بمعياره الحقيقي ، معيار تضمنه لحقائق  وتجليات وحمولة وخلق شعري ،لا كونه مقيدا أو غير مقيد.
        إن الكلمات وموسيقاها الداخلية وتراكيبها أحيانا وتجانس الكلمات ودلالاتها أمر بيد هذا الشاعر والناثر لا فرق إلا في استعمال هذه المواد ، بل إن النثر بتراكيبه المعتادة والأكثر تحررا تتضمن غالبا من الشعر  ما تعجز دونه الوسائل المعقدة التي أرادوها لتحديد الشعر في حين أنها تعمل على نفيه في الغالب الأعم ، ومالنا ولهذا الشعر الذي عزلناه بأقانيمنا ثم ها نحن نتحدث عن "علاقة الشعر بالفنون الجميلة بالرسم ، علاقة الشعر بالموسيقى " (7)علاقة الشعر بالرياضة  الفكرية .
       لا أشك في أن الشعر هو كل الفنون وأن التعبير عنه دائما تعبير جديد له مكوناته التي تنشأ بوجوده ، قد تكون البنى الموسيقية الناتجة عن تناغم الكلمات ، قد تكون الإيقاعات المتكررة ،قد تكون الصورة أو الكاريكاتور ، قد تكون الحوار الداخلي أو الحوار مع الأشياء ، قد تكون اللقطة ، قد تكون البنيات الدرامية الملحمية ، قد تكون الغنائيات البسيطة و قد تكون اللوحات التركيبية ، قد تكون الخاطرة ، إن كل هذه الإشكال لا يتحدد مدى استعمالها إلا من خلال المضمون وبأسلوب جدلي لا أولية فيه للمضمون دون الشكل ولكن لهما معا . تبقى مسألة بنية الكلام الشعري وهذه في نظري مضاف إليها طريقة الفهم الشعري والتناول هي المميز الفصل للشعر ن إن موقف الشاعر الانسان تجاه الأسئلة الكبرى هو ما يحدد الشعر ، وليس الوقوف أمام الأسئلة يستدعي دائما أجوبة ، إن الشعر وهو متناول للميتافيزيقا أو كاشف لملكوت النفس وارتطامات الانسان بالأشياء بالكون ، بعلاقة الانسان بنفسه علاقاته مع غيره مع معطيات الوجود وغيبياته يظل شعرا بمعنى إنه مستوعب لخلاصات التجارب الانسانية ومحرك لها ، ومن ثم فإن استيعاب التجربة الانسانية في الكون وتحريكها ليس بالضرورة استيعابا متحفيا ، وأقول بالضرورة ، فكلما كانت متحفية الإبداع عائقا دون الإبداع أو شيوع الإبداع كان من الأولى إعطاء الأولوية للإبداع بتلقائيته واعتماده لشروطه الخاصة التي تأتي مع الخلق ومن ذاته لا إسقاطات جمالية محددة يتم إلباسها لكل التجارب دون مقاسات اللهم كونها موضة العصر موضة الكتابة .
      وأتصور القصيدة عملا مفاجئا ، فالقارئ أو المتلقي تعود على الشعر ، شعر الأبيات ن شعر كلمة في سطر أو كلمتين ،ومن الناس من يقلب الصفحات كلما تأكد له من خلال هندسية الكتابة أن الكلام شعر ، لهذا تأتي القصيدة الجديدة وفي ركابها قصيدة النثر شراكا يستدرج القارئ أو المستمع ضمن أشكال معتادة لا تدعي التميز عن الكلام العادي المنثور ، وتربح القصيدة قارئا كان يعتقد أنه يقرأ مقالة ينهيها ليعود متسائلا أي شكل من أشكال النثر هذه الكتابة ليتيقن من أنها شعر ،إن طقوس الكتابات الشعرية القديمة عزلت الشعر ولا نخفي أن من بين القراء من يتجاوز صفحات الشعر هربا من وجع الدماغ ومن الخواء في حين أنه ما من أحد لا يقرأ النثر ، كلنا قارئون للنثر ومتحدثون به ، ولكن من الشعراء من يريد أن يجعل من الشعر مملكة لا يغشاها إلا المقربون ، ومن هنا فالعودة إلى الأشكال العادية ضرورية لتحرير الإبداع كلما كانت التجربة انسيابا لا يستدعي هذه الوقفات والأسطر ، أفرأ قصائد وأكتبها أحيانا تضم في  كل سطر منها كلمة أو كلمتين ، هكذا ، وألمس نوعا من السلطوية ممنوحا لكلمة في سطر واحد أرادها الشاعر مفتاحا للقصيدة أو معلمة بارزة من معالمها  ، غير أن عددا من هذه التجزيئات اللغوية تجعل الكلمة تلعب لعبتها الخاصة ، لعبة حمل دلالتها أكثر من اشتراكها لتأدية معنى مخلوق ، وبذلك يكون اندراج الكلمات ضمن جيش تعبيري متماسك أكثر ايحاء وأداء ، بمعنى أن اختفاء الدلالات المفردة للكلمات في السياق نسبيا وتضافرها لتأدية معنى ينتج التحاما بين دلالات متعددة هو ما يجعلنا نتلقى ما نتلقى من معان مقصودة ناسين الوسيلة وكل المتاهات الشكلية ، وأمثل لذلك بكتابات بعض المتصوفين وأبرزهم النفري ، لا أعتقد أن مواقف النفري نثرية ولا كتابته أيضا وإلا بماذا نفسر هذه القوة التي تجري في كلمات معتادة ومعتادة جدا ؟؟
الغموض والوضوح 
      قضية أخرى: غموض الشعر ووضوح النثر  ، قضية مردودة لأن الوضوح والغموض مرتبطان بالموضوع المعبر عنه وليس بالنثر أو الشعر ، قد يكون النثر غامضا إذا كان ما يراد التعبير عنه غامضا وقد يكون واضحا في الأغلب الأعم باعتبار أن المرامي التي يستهدف التعبير عنها عادية بعكس الشعر الذي يتلبس الغموض اعتبارا لتعقد التجربة أو استعصاء المجال المتناول أو حتى جدة التركيبات اللغوية ، تلك التركيبات غير المألوفة إلى حد ما ، وهذا لا ينفي أن يكون هناك شعر واضح وضوح النثر العادي ترتكز حرارته في نقل موضوع أو موضوعات معينة ، إلا أن أغلب الشعراء يخيفهم هذا الوضوح وكأنه نفي للشاعرية فيلجأون إلى تغليف هذا الوضوح بأصباغ ومحسنات بلاغية وتفنن عروضي وكأنهم بذلك يضيفون إلى شعرهم من الطقوس ما يكفي لتمييزه عن النثر، والواقع ان غموض الشعر أو وضوحه في القصيدة العمودية أو قصيدة النثر لا يتحدد إراديا أبدا ، أما حال المعاجميين المتعاملين مع الكلمات وإفرازاتهم فشيء آخر سواء في الشعر أو النثر.

خلاصات
 أعتقد أن تشتت الأشكال الفنية الأدبية هو ما يجعل كل الفنون مفتقرة ، ولعل مقولة إن الشعر ديوان العرب ما كانت لتكون لو طفت فنون أخرى أو ساعدت طبيعة العرب على تواجد فنون أخرى وآداب بنفس مستوى القصيدة ، وحقا لقد وصل الشعر ذروته خلقا وشيوعا وفاعلية ، ولكن ومرجلتنا الحضارية مختلفة تماما عن العصر الجاهلي والحالة ان الفنون وجدت مجالاتها وتمسك كل فن من فنون القول أو التعبير بمقاييسه وأثرى في حدوده الخاصة ها نجن نجد كل الفنون متطاولة ولا نجد فنا واحدا يعبر عن الانسان تعبيرا جامعا مانعا كاملا شافيا ، إن الاجتزائية في مجال التعبير الانساني دعت الكلمة إلى جمع مقاييس ومعايير حولها وانفردت عن أخواتها لتكون هذه قصيدة وهذه قصة مع أن المفروض أن جل الخلق الانساني في ميدان التعبير عن الذات والواقع وما وراءه هي شعر ، الرسم شعر والموسيقى شعر ،وهكذا ، وإني لا أرى الشعر إلا شاملا لكل الفنون الأخرى وأنواع التعبير بما فيها النثرية.
        إن كل الأشكال التعبيرية تضم بين ثناياها شيئا من الشاعرية ، لكن الشعر بشموليته واعتماده على أبدع ما تميز به الانسان وهو اللغة المنطوقة قادر على ضم مختلف جزئيات أشكال التعبير المختلفة بمعنى أن الشعر قد يستوعب الموسيقى كما هي وموسيقى العروض أو الموسيقى المقطعية أو الإلقائية ، قد يستوعب الرسم وقد أكد هذا الإتجاه الدادائي ، قد يستوعب الكاريكاتور وقد يستوعب جماليات النثر من سجع وخطابية كما أسلفت ، لماذا نريد حصر الشعر في نطاق معين ، أعتقد أن الراسم وهو يرسم أو الموسيقي وهو يلحن يقوم بعملية إبداع شعري ،قد تختلف وسائل التبليغ ولكن يظل العمل شعريا ، لماذا لا يسعى الشعر إلى توحيد شتلته فيشمل كل أنواع التعبير حسب الإقتضاء . فكرت مرة في قراءة قصيدة نثرية بشكل غنائي وكنت قد كتبتها مدندنا بنغمات مسترسلة ولكن الإقدام على المغامرة راعني ويشهد الله أن كتابتها بدون تصنع جاءت مصاحبة للموسيقى ،  ليس العروضية ولكن الموسيقى ، مقطع على الصبا أشد النغمات جزنا ومقطع على الحجاز أشد النغمات تجسيدا للتيه والغربة والحنين ، وقد يتحداني قارئ للقصيدة أين هي الموسيقى ؟ إنه يسأل عن  العروض وقد تجاوزتهلأخفي ما يسميه منثورا إلى الموسيقى الخالصة . لماذا نفرض على الشعر شكليات مستقاة من عنده مع أن كل المظاهر التعبيرية الأخرى هي جزء منه ،  قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا بقراءة معينة مغناة أو ممسرحة ، قد أكتب قصيدة لن تكون قصيدة إلا طبق رسم معين ، إن الشعر سائر إلى الإنقراض بانفراديته وابتعاده عن طبيعته التي هي شاملة لكل الوسائل.
       أتصور سوق عكاظ وشاعرا من إياهم يقرأ شعره ، لاشك أنه وإضافة إلى العروض كان الشاعر خطيبا وممثلا ومهرجا ومغنيا وراسم حركات على الهواء وغلا ما كانت له كل هذه القوة في حفر قصائده في الأدمغة .
     إن الشاعر بالضرورة لا بد أن يكون كل الأدب والفن ، ولا أعتقد أن الرسام مطالب بأكثر من فهمه للغة الألوان  ، الرسام في حدود تعامله خصوصي ويتحرك في مجال معين ولكن الشعر قاسم مشترك في كل المجالات ، لذلك لا يستغرب أحد إذا رأى قصيدة على شكل نثر قصيدة خطية قصيدة لوحة قصيدة أغنية قصيدة رواية . إن الشعر هو كل الأشكال والمضامين وليس الكلام الموزون المقفى ، ومن ثم كان سؤال " العلم " محرجا لي أيما إحراج إذ أطالب بالحديث عن قصيدة النثر بدل الشعر عامة .
     ولأننا نعيش عصر الثورات والإيديولوجيا ، لأننا نعيش كل العصور التي مضت والعصور التي لم تأت بعد فأنا لا أسقط التناولات التحليلية التفسيرية للواقع الداعية إلى استشراف آفاق أخرى ، فالشعر بطبيعته تجاوز غير أن التناول أيضا لا يمكن أن يكون كما أرى إلا اختزانا وتخميرا لكل العناصر التي تفرز العمل الإبداعي عن أصالة ، وأعتقد أن هذه الإفرازات لا يمكن أن تكون إلا تجاوزا للحدود المرسومة. الشعر موقف مختزل إزاء الوجود انطلاقا من الذات عبورا بالأشياء بالكون  بما يعتمل الآخرين ووجود الآخرين وقوفا بالأسئلة الكبرى ، ارتطاما بها ، خنوعا أمامها أو تجاوزا ، وبذلك لن يكون الطرح الحقيقي للإبداع إلا ذلكم الطرح الذي يصدر عن انسان مختزن كل عناصر الحياة والموت وليس مختزنا لحدود الشعر وحدود النثر ، ولن تكون أشكال هذا التعبير إلا أصيلة أصالة الإنسان نفسه لم تكسرها العصي التي ورثناها . إنها عودة بالكتابة ليس إلى النثر وحسب ولكن إلى ما أراه أصلا قبل التشتت ، فلا شك أن الناس لا زالوا يتساءلون أيهم الأسبق الشعر أم النثر ولا شك أنهم أدلوا بما شاؤوا من نظريات ، ولكن انطلاقا من تجربتي حالة الكتابة أجدني أقرب إلى الإنسان الأول الذي اعتقد أنه عندما كان يقف أمام بحر أو جبل تختلط معاناته لتبرز همهمات إشارات تغيرات فيزيولوجية كلاما رقصا أو تلاشيا ، نوعية هذا التعبير لا أستطيع أن أحدد مواصفاتها ولكن أسعى إلى استخراجها كلما حاولت الكتابة مستفيدا مما يغشاني من ترسبات ورصيد مستجمع لخبراتي تواجدا واطلاعا ومعايشة ، مستفيدا وغير مستفيد إذ أريد ألا تحصرني التصنيفات والأقانيم والتخوم الموضوعة : هذا شعر هذا نثر هذا كلام مسرحي . لا أشك أن هذا التخصيص للنوعيات كان ضرورة اقتضتها ضرورات ، ولكن أومن إيمانا عميقا بأن الشاعر لا بد أن يكون الانسان الأول على حد ما في سذاجته وبراءته وانفعاله بالكون والأشياء، ولأن انفعال الانسان المعاصر ليس انفعال سيدنا آدم والله أعلم فلا شك أن إفرازات المتأخرين ستكون أشد حرارة وقوة وما هي كذلك . 
   إن استهلالية المتنبي " واحر قلباه ممن قلبه شبم " تبز عديدا من التوعكات والتأوهات المعاصرة ، لا يعني طرح هذا الحديث تكريما لمن سبقوا وللبدائية وليس مثالية أو عوما فكريا ، إني ملتزم ولدي قناعاتي كما كان الانسان دائما ، كان الانسان يؤله الشمس أو القمر يعظم الشجرة أو قرون بقرة ، كانت تلك قناعات واليوم الانسان يؤله شيوعية أو رأسمالية ، قصيدة شعر أو قصيدة نثر أو يرفض الكل . إن ما يؤكد دعواي اننا نجد أكثر الكلام شاعرية كلاما أقرب إلى الخرافية واكتساء ما يمكن أن أسميه الجهل أو التجاهل للأشياء واختلاط المفاهيم في الذهن ، إنها عودة إلى موقف شعري ، قبل الشعر وقبل النثر ، موقف بدائي ولا شك . إن الشعر يرتضي أن يكون أكثر العلوم جهلا وتجاهلا للأشياء ، خلقا لها بشكل آخر ، فالشاعر إذ يقف أمام دمعة حزن في العين ويراها بلورا ودرا منثورا إنه ليس سخيفا إلى هذا الحد بقدر ما هو رؤية استقبالية تختزن أملا مفقودا أمل لو كانت دمعة الحزن شيئا آخر ، لذلك أعود إلى نظرتي إلى الكتابة ومضمون الكتابة مؤكدا على أننا استنفذنا الأشكال الموروثة متحفية مستوردة ، طبقنا في كتاباتنا حدود كل المدارس وقد نكون بلغنا شعرا ولكنه شعر تبعي إلى الخليل في طرق تفجيره تبعي للعالم المتقدم في أبعاده وأشكاله أيضا ، خصائص اللغة الفرنسية مثلا ليست خصائص اللغة العربية ، رصيد هذه اللغة الحضاري التاريخي ليس رصيد العربية ، قد يكون أقل أو أكثر ، هذا ليس مهما ولكنها ليست نفس الخصائص ، نعم إن التجربة الانسانية تظل واحدة بالرغم من تنوعاتها ولكن التعبير عن التجربة إذا افتقد خصوصياته الحضارية التاريخية اللغوية فقد مسخ ، وقد يواجهني مواجه إذن لماذا نقبل قصيدة النثر فأقول بأن كل الحيوانات تصدر أصواتا وإنها مشتركة في صفة الحيوانية ولكن بعضها يموء وبعضها يزأر وبعضها ينبح وبعضها لايمكن أن ينبح إلا وهو يعض أو يتراجع وإنها الخصوصيات التي افتقدناها .
       إن مقولة أن الأدب عالمي قد تصح ولكن من يروجونها يروجون أيضا للقوالب والأشكال التي وضعوها هم. ماذا وضعنا نحن عدا ما وضع الخليل ؟ وصلنا إلى تثوير اللغة وصلنا إلى نثرية القصيدة، إلى الكتابة الأوتوماتيكية ، إلى تطبيق مختلف المدارس النفسية والأدبية عموما على أدبنا العربي ؟ وكنا مستوردين وظل أدبنا غير ممثل كل التمثيل لحقيقة تحولات العالم العربي ، لا زالت القصيدة إطرابا للأذن إنشادا ولا زالت المضامين عبدة لا يمكن  أن تكون إلا تابعة ، المواصفات اختلطت ، ومعنى هذا أن البحث عن أشكال تفجيرية للشعر العربي أمر مطروح ، ولا أعتقد أن الشعر العمودي يمثله اللهم في خلق غنائيات محدودة نفسا وموضوعا وهي مرتبطة بالمترفين ومطربيهم ، إني لا أرى الشعر العمودي الآن حيا إلا على الأعتاب ، ولا أعتقد أن النثرية بانطلاقاتها تجسد البديل لتحطيمها للعروض والفواصل بين كتابة وكتابة ن لعلهم في القديم اختاروا إيقاعاتهم وحدوهم وعاء لحفظ إبداعهم وقد حفظ الإيقاع ووعى وظل في الصدور ونحن لا نكتب وننتظر من الرواة تناقل قصائدنا فنسهل عليهم مهمة استرجاعها بالمجالس . إن الشعر لم يعد بضاعة يخرجها الساحر من قبه ليدهش  المجالس ، ثم هذا التكثيف الشكلي هذا الحبس للتجربة في نطاق محطات وقوف تذكر بما مضى وتعد بما سيأتي تطرح صائتا لينذر بأن صامتا بعده أصبح متجاوزا. أن تحفظ القصيدة أمر لم يعد مطلوبا باعتبار أن ما يعمله حماد الراوية طوال عام قد تقوم به الصحيفة في دقائق وبذيوع أكبر.
       إنهم يريدون جعل الشعر علم الخاصة ، يحتكرون الثقافة مع أنها رأسمال شائع بقدر أو بآخر لدى الجميع ويمكن التأكيد لذلك بإبداعات الشعب في أمثاله وحكمه وممارساته الخلقية عامة .
       إن القضية ليست قضية شعر أو  نثر ، إنها قضية تعبير بالدرجة الأولى وإن أغلب الكتاب تدرجوا شعراء ثم قصاصين أو العكس أو اختلط عليهم الأمر وهم يبحثون عن التعبير الشامل ، ولعل احتفالية برشيد في المسرح اقتراب حقيقي من أصالة الانسان وأصالة تعبيره وشموليته ، وأعتقد أن الشعر أيضا يجب أن يرتد إلى أصوله التي افتقدت وما تبقى منها عبر عمليات النحت والتعرية على مر التاريخ إلا الشظايا والأشلاء والأشباه . سألتني العلم عن قصيدة النثر وقد حددت موقفي وإن لم يتجل ممارسة واعتقادي راسخ في أن المشكلة ليست قضية أو ظاهرة قصيدة النثر أو غيرها من الظواهر بقدر ما هي قضية قصيدة الشعر نفسها ، وهذا ما يجعلني في الوقت الراهن أقف بمحطة من خلالها أصرح بأنني أجهل الشعر أجهل النثر وأعرف الكتابة .
                                                                  رابح التيجاني .الرباط
         (مساهمة في ملف عن قصيدة النثر سبق
                        ان احتضنها الملحق الثقافي لجريدة العلم )
    الهوامش :
-       (1) من كتاب " الشعر كيف نفهمه ونتذوقه " إليزابيت درو ترجمة الكتور محمد ابراهيم الشوش ص 49.
-       (2) عن كتاب " شعرنا الحديث إلى أين "غالي شكري ص82.
-       (3)" الأدب الملتزم " لجان بول سارتر ترجمة جورج طرابيشي ص 78و79.
-       (4)إشارة إلى كتيب الدكتور نعيم حسن الباقي " الشعر بين الفنون الجميلة " سلسلة إقرأ العدد 192.
-       (5)في موضوع نبرية اللغة الانجليزية ومقطعية اللغة الفرنسية والشعر غير العمودي وغير الحر اعتمدت بعض أعداد مجلة الفكر التونسية .